الشهيد الثاني

15

الفوائد الملية لشرح الرسالة النفلية

الواجبة والمندوبة من ذلك الحديث ، ولا منافاة بين الأمرين . قلت : هذا وإن كان محتملا من هذه الجهة ، إلَّا أنّه لا يعارض ما قد دلّ على تفضيل غير الصلاة المتنازع فيها من الأخبار الصحيحة أو المستفيضة ، كخبر : « أفضل الأعمال أحمزها » ( 1 ) ، و « أفضل الأعمال بعد الإيمان جهاد في سبيل الله » ( 2 ) إلى آخره . وإنّما لم يعارضه هذا الحديث ، لأنّه لا يدلّ على ما يوجب المعارضة ، إلَّا إذا قرئ بالإضافة ، وإرادتها من الشارع غير معلومة . وإنّما المعلوم منه القدر الحاصل من الوصف ، لأنّه قدر مشترك بين المعنيين المشتركين المحتملين ، وما زاد عليه مشكوك فيه ، فكيف يعارض ما دلّ عليه غيره صريحا ؟ ! فإن قلت : على الوصف لا يبقى للصلاة مزيّة على غيرها من العبادات ، بل مطلق الخيرات الماليّة والبدنيّة ، فإنّها بأسرها مشتركة في الخيريّة ، وإذا لم يبق فيها إلَّا إثبات أصل الخيرية ، وهو معنى يشاركها فيه إطعام لقمة وكلمة طيّبة وما دون ذلك ، ضعف ذكره في مقام المدح العظيم والاختصاص بمزيد التكريم ، بل هذا يضعّف هذا الإعراب ويرجّح أنّ إعراب الإضافة أليق بمقام الكلام النبوي الآخذ بحجزة ( 3 ) البلاغة . قلت : يمكن استفادة المدح الموجب لزيادة الخيرية للصلاة على تقدير الوصف باعتبار آخر ، وهو تنكير الخير ، فإنّه قد يراد كذلك ، لزيادة التفخيم والتعظيم ، أي خير عظيم موضوع لمن أراده ، ومن قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : « فمن شاء استقلّ ومن شاء استكثر » ، فإنّه يشعر أيضا بتعظيم شأن هذا الخير ، وإنّه أهل لأن يستكثر منه وتصرف فيه الأوقات . وبذلك تظهر مزيّة الصلاة على غيرها ، ويقع الشكّ في الإضافة ، فلا يستقيم

--> ( 1 ) « نضد القواعد الفقهية » 191 ، « النهاية في غريب الحديث والأثر » 1 : 440 نحوه ، « غريب الحديث » 4 : 233 « حمز » . ( 2 ) « صحيح البخاري » 2 : 553 / 1447 باب فضل الحجّ المبرور . ( 3 ) أصل الحجزة : موضع شدّ الإزار . والنّبي ( ص ) آخذ بحجزة الله ، أي بسبب منه . انظر : « لسان العرب » 3 : 62 « حجز » .